Fri 25 Sep 2009
كنت ولا زلت أيقن دوماً في أن كل ما يكتب على الورق قد لا يناسب مخيلتي أو أفعالي حتى و إن أجمع ناس الأرض على سلامة المكتوب ..
إن العيش لأجل إحقاق المكتوب و تفنيد المخطوط أمر جالب للسعادة إن لم يكن أحد تعاريفها ..
فبعد ان منّ الله علي أن ابقاني حتى اللحظة و زودني بجسد و عقل ,يمكنني القول أنني في طريقي اللانهائي لمهمتيّ الاثبات و النفي, فإن لم تكن لي فحسب فهي لابنائي أو لمن ظن فيني العون لاكمال ما تبقى قبل الممات ..
قبل ألف سنة و قيل أكثر خطب طارق بن زياد في مكان يسمى مضيق ببضعة الاف من الجنود قائلاً:
( أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر . . . )
ثم قال :
( واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقِّ قليلاً، استمتعتم بالأرفَهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي ..)
قالها و قد أحرق مراكب العودة فإما النصر و إلا الممات ..
قد يبدو الأمر هيناً أو مقبولاً جداً لدينا نحن من نعيش القرن الجديد, لأننا نظن دائماً أن أبطال البارحة هم (أنس) بمواصفات خاصة تخولهم النصر في أحلك الظروف و تجلب لهم النصر بضربة أصبع!, بل لا عيب اطلاقاً في تخفيف وطأة التصديق لدينا بزعم أن الله دوماً ينصر عبده خصوصاً في الشدائد حتى وإن كان فأراً يقابل أسداً شجاع!
أنه النصير دوماً لجنده فلا شك و تشويش في ذلك, ولكنه عندما شاء جل قدره أن ينجي نوح أمره بفعل السبب فنجى ..
يقال و كيف له أن يعصي أمر الخالق, فأقول و ما حسبك فيني و في كل من أستتر تحت كلمة العصيان ؟
و حتى لا يطول حديثي و أتوه عن هدفي أمسك برأس قضيتي التي تعلمتها اخيراً بعد أن مارستها, أنه إن أردت المضي قدماً فاحرق سفن العودة !
إننا دوماً ما نتخذ سفن العودة طريقاً آمنا للنجاة من فشل متوقع وهو ليس بذلك بل خوفاً و إن اختلفت أشكاله و تعددت ألوانه ..
سنين سنين نسلك طريق العودة للمنزل ذاته, نزور الدول ذاتها, نحتفظ بالافكار ذاتها, لسبب أننا علمناها فأمناها ..
تتقدم سنين و تضيع فرص و تشيب رؤوس و تهن عظام و خوف المغامرة لا يزول, نحاول كثيراً في التغيير ثم نفشل !
قبل ألف سنة لم يكن قد تعلم طارق بن زياد على يد موجهي أطلق قواك الخفية أو خبراء الإدارة ,لكنه آمن بقضيه فاختار لها أن تكون و حتماً تكون دونما أي تأثير على المشيئة ..
كان يعلم طارق أن جنده لن يخذلوه ,فلماذا أحرقها ؟
طارق و جنده (بشر) و فينا نحن البشر مهما علت همتناً و امناً بقضيتنا إلا أن صوت الخوف لا يهدأ حتى تحرق المراكب..
حرق طارق المراكب و كأنه أوصل رسالة للنفوس مفادها (إما النصر و إما النصر) فماذا تشتهون ؟
فكان لذلك الحكيم ما أراد فحل النصر ..
إن ليس ثمة سبباً في تسويف و تأخير و سوء عمل إلا أن أوشك على فعل ٍ فاتخذ مركب للعودة فعاد ..
و لكي لا أكسبك بلاهة التصديق المباشر جرب نفسك في مهمة بسيطة جداً, فهب أنك دارس للغة أجنبية ثم وجدت موضوعاً شيقاً في الويكيبيديا, في حالتك هذه يجدر بك قراءة الموضوع باللغة التي تريد تعلمها و لكنك ستجد نفسك مباشرة قد ضغطت على خيار (اللغة العربية) حتى و إن حاولت لمجرد المحاولة القراءة باللغة المراده, و لكن كيف ستفعل لو لم يكن خيار العربية موجود ؟
إنها (مراكب العودة فحسب!)
أحرقوا مراكب العودة فلا مراد يأتي بوجودها ..