إدارة


كنت ولا زلت أيقن دوماً في أن كل ما يكتب على الورق قد لا يناسب مخيلتي أو أفعالي حتى و إن أجمع ناس الأرض على سلامة المكتوب ..
إن العيش لأجل إحقاق المكتوب و تفنيد المخطوط أمر جالب للسعادة إن لم يكن أحد تعاريفها ..
فبعد ان منّ الله علي أن ابقاني حتى اللحظة و زودني بجسد و عقل ,يمكنني القول أنني في طريقي اللانهائي لمهمتيّ الاثبات و النفي, فإن لم تكن لي فحسب فهي لابنائي أو لمن ظن فيني العون لاكمال ما تبقى قبل الممات ..

قبل ألف سنة و قيل أكثر خطب طارق بن زياد في مكان يسمى مضيق ببضعة الاف من الجنود قائلاً:
( أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر . . . )

ثم قال :
( واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقِّ قليلاً، استمتعتم بالأرفَهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي ..)
قالها و قد أحرق مراكب العودة فإما النصر و إلا الممات ..

قد يبدو الأمر هيناً أو مقبولاً جداً لدينا نحن من نعيش القرن الجديد, لأننا نظن دائماً أن أبطال البارحة هم (أنس) بمواصفات خاصة تخولهم النصر في أحلك الظروف و تجلب لهم النصر بضربة أصبع!, بل لا عيب اطلاقاً في تخفيف وطأة التصديق لدينا بزعم أن الله دوماً ينصر عبده خصوصاً في الشدائد حتى وإن كان فأراً يقابل أسداً شجاع!
أنه النصير دوماً لجنده فلا شك و تشويش في ذلك, ولكنه عندما شاء جل قدره أن ينجي نوح أمره بفعل السبب فنجى ..
يقال و كيف له أن يعصي أمر الخالق, فأقول و ما حسبك فيني و في كل من أستتر تحت كلمة العصيان ؟
و حتى لا يطول حديثي و أتوه عن هدفي أمسك برأس قضيتي التي تعلمتها اخيراً بعد أن مارستها, أنه إن أردت المضي قدماً فاحرق سفن العودة !

إننا دوماً ما نتخذ سفن العودة طريقاً آمنا للنجاة من فشل متوقع وهو ليس بذلك بل خوفاً و إن اختلفت أشكاله و تعددت ألوانه ..
سنين سنين نسلك طريق العودة للمنزل ذاته, نزور الدول ذاتها, نحتفظ بالافكار ذاتها, لسبب أننا علمناها فأمناها ..
تتقدم سنين و تضيع فرص و تشيب رؤوس و تهن عظام و خوف المغامرة لا يزول, نحاول كثيراً في التغيير ثم نفشل !

قبل ألف سنة لم يكن قد تعلم طارق بن زياد على يد موجهي أطلق قواك الخفية أو خبراء الإدارة ,لكنه آمن بقضيه فاختار لها أن تكون و حتماً تكون دونما أي تأثير على المشيئة ..
كان يعلم طارق أن جنده لن يخذلوه ,فلماذا أحرقها ؟
طارق و جنده (بشر) و فينا نحن البشر مهما علت همتناً و امناً بقضيتنا إلا أن صوت الخوف لا يهدأ حتى تحرق المراكب..
حرق طارق المراكب و كأنه أوصل رسالة للنفوس مفادها (إما النصر و إما النصر) فماذا تشتهون ؟
فكان لذلك الحكيم ما أراد فحل النصر ..

إن ليس ثمة سبباً في تسويف و تأخير و سوء عمل إلا أن أوشك على فعل ٍ فاتخذ مركب للعودة فعاد ..
و لكي لا أكسبك بلاهة التصديق المباشر جرب نفسك في مهمة بسيطة جداً, فهب أنك دارس للغة أجنبية ثم وجدت موضوعاً شيقاً في الويكيبيديا, في حالتك هذه يجدر بك قراءة الموضوع باللغة التي تريد تعلمها و لكنك ستجد نفسك مباشرة قد ضغطت على خيار (اللغة العربية) حتى و إن حاولت لمجرد المحاولة القراءة باللغة المراده, و لكن كيف ستفعل لو لم يكن خيار العربية موجود ؟
إنها (مراكب العودة فحسب!)

أحرقوا مراكب العودة فلا مراد يأتي بوجودها ..

 

أخذ في عرفنا كشعوب تكوين صورة أو أكثر عن شيء ما ربما عايشناه أو قرأنا عنه و ربما قد سمعنا عنه, و هذا ما جبل عليه الجنس البشري وهو من يعايش بقية المخلوقات حيزه الذي يسكنه..
تلك الصور أو تلكم المعتقدات التي رويت أو نقلت صحيحة كانت أم باطلة ستؤثر توكيداً على كيفية تعاطينا مع ذلك الشيء..
حديثاً و مع ثورة (التقنية Technoloy) أصبحت هذه الصورة أو المعتقدات و الرؤى و الآراء متوافرة و بضغطة زر و في غضون ثوان أو أقل ..
لأكون أقرب لما أود إيصاله لنضرب بالمثال اليابان,مثلاً لو سألت شخص في الشارع ماذا تعرف عن اليابان ؟
ربما ستكون نظرته أنها دولة صناعية و دولة تقدم و حضارة و شعبها نابغ و ما إلى ذلك و هو في الأصل لم يزر أو حتى يقابل شخص ياباني! أذن كيف رسم تلك الصورة ؟

ربما من استخدام منتج ياباني أو مقالة عن شخص ياباني أو مخترع ياباني بل ربما تكون نشرة في راديو أو خبر في التلفزيون مؤدية إلى أن (الثورة التقنية) تسهم بشكل رئيس في رسم صورة أو اتخاذ رأي حيال دولة و شعبها ..

سأطرح تساؤلات ربما ستقدم للموضوعي بشكل أكثر (لذة) ..
هل الشخص الياباني (ذكي - متوسط الذكاء - قليل الذكاء) ؟
بناء على خيارك أجب :-
أزرت اليابان ؟ حاورت شخص ياباني ؟ معلومة عن عدد سكان اليابان ؟ اقتصاد اليابان ؟ أي معلومة أثرت على خيارك السابق ؟
لست أعني اليابان تحديداً ماذا عن ألمانيا كأكثر دول أوروبا سكاناً و اسبانيا كأكثر نسبة مواليد أوروبياً وغيرها و عليه فأكمل ..

لأكون أكثر اندامجاً مع الدم العربي في المعتقد السائد سأطرح بعض من الآراء ..
(الياباني -عبقري) , (العقول الامريكية فذة) , (الصين - فن التقليد) , (فرنسا - الموظة و الازياء) , (الهند - فقر و ذكاء) , (المانيا - مرسيدس!)
(روسيا- فودكا!, فضاء) و غيرها الكثير ..

أكاد أجزم أن ليس أحد منا قد زار ولو دولة واحدة من هذه الدول أو حتى خالط أحد من شعوبها بل هي فكرة و وصلت, كيف وصلت, عليك إجابته ؟
ربما كثير منا لا يدقق كثيراً في (سلامة) القناة التي وصلت بها المعلومة, فلو كان زميل مثلا ذهب إلى (المانيا) و أفتى بأن شعبها من أذكى الشعوب ربما
ستأخذ معتقده رغم أنك لا تأخذ معتقده في أشياء أخرى, بالمثال , صديقك السابق من أهداك المعلومة أو المعتقد ربما يفضل عصير العنب رغم أنه الأكثر كرها بالنسبة لك, لماذا لم توافق معتقده بأنه العصير الأفضل على الأطلاق, لسبب بسيط إلا و هو (التجـــربة) ..

ما نفتقده نحن كشعوب العالم بلا استثناء هي (التجربة), نعم أن التكنولوجيا قد أسهمت كثيراً في ردم الفجوة (المعرفية) من خلال تقديم (المعارف و المعلومات) لجميع المواضيع بلا استثناء ولكنها للأسف لم توفر مبدأ (التجربة) ..
من الغباء مثلاً أن نبرمج انفسنا فقط على مبدأ (التجربة) و إلا لرمينا اجسادنا في النار لنعلم هل هي (حارقة) أم لا أو كما يقال (الله عرفناه بالعقل) ..
و ليس ثمة (تناقض) في ذلك ,كل ما أرمي إليه أن طبق مبدأ (التجربة) و ( المعرفة) أيهما يستوجب حضوره و إجابة ذلك أيضاً أنت من يحددها !!

* أطرد مبدأ (الفكرة السائدة) !
أكاد لا أجد مبدأ ثابت في جميع الحالات أو الفكرة السائدة ,بل ثق أنك إن كنت من رواد فن (كل- جميع-الأغلب) فأنت أحد ركاب سفينة (الخطأ) ..
حديثاً جداً و مع ظهور مصطلح ( يوتوب YouTupe) مثلاً, أصبحنا لا نقرأ عن شيء فقط بل و حتى نشاهد فصوله , كل ما عليك فعله هو المشاهدة !
هذه (التقنية) تحديداً أسهمت في (تحريف) كثير من الاراء و المعتقدات لمجرد مقطع (فيديو) ربما لا يتجازو الثلاث دقائق!
أتؤمن بأنه من المنطق أو المنصف أن ترمي (اعتقاداً) أو (تتخذ) موفقاً لأجل (مقطع فيديو) ؟
بل حول عقلك لمحكمة أدليل مادي (كشريط فيديو أو مقطع صوتي) كاف لاصدار حكم في قضية ما ؟
سأطرح مثال , و ذلك لأن للأمثلة (قدر لا يمكن أن أصف منزلته) في كينونة عقلي ..
لو ذهبت لمربع بحث (اليوتوب) و كتبت اليابان و ظهرت لك العديد من المقاطع التي تحكي عن (عبقرية طفل) يركب (مكعب الالوان في غضون دقيقة!) أهذا يعني أن جميع أو حتى أغلب الشعب الياباني (عبقري) ؟؟
بل اذا اردت أن (تكركر) أقرأ :-
( أووه لو أجيب ولد ياباني عمره 9 سنوات صلح تلفزيون و احنا الله يخلف! مد يدك بس و اضرب من النعمة قال تطور قال ! ,, ههه! صدقت)
ماذا على الجانب الاخر ياباني (عاطل! عن العمل) يقتات على فضلات والده يشاهد مقطع لطفل (عربي) بعمر 8 سنوات يسمع القرآن بكامله! ( أوووه, الأكيد أن ذلك الشعب شعب نابغ قران 602 صفحة في عمر 8 هؤلاء أطفالهم ما بالي برجالهم !!! my god )
وصلت الفكرة ؟؟

* ( ولكن كيف نقبع في العالم الثالث اذا لم تكن تلك المعتقدات صحيحة؟ فشعوب دول العالم الأول أكثر ذكاء و نشاط و فعالية و و و )
للأسف هو ايضاً معقتد خاطئ :) !
مفتاح حل اللغز هو مبدأ (النسبة و التناسب)!
كلما زادت نسبة (الناجحين) ارتفع معها نسبة (الانتاج) و السمعة (الحسنة) و العالم (الأول) و لا تقف أرجوك من حيث تعداد الفوائد ..
و (النجاح لا يعني العبقرية!)
ولأدلل بالبرهان القاطع إليكم (سنغافورة) !
لتعلم أن (سنغافورة) من أفقر دول العالم من حيث (الموارد) و شيء يكاد لا يذكر هو ما تقوم سنغافورة بتصنيعه أو حتى تصديره, هي كانت في عالم ثالث أصبحت في عالم أول لأجل (النسبة و التناسب) !!
و استمتع أكثر (بالصين) مثلاً :-
الاحتياطي الأكبر (للدولار الأمريكي) بعد دولته هي الصين وهو ما يقارن قيمته بالذهب و البواقي من ذوات القيمة, بل حتى أن الصين أصبحت تسن و تقر أنظمة في دول أخرى و (نيوزلندا) أصدق دليل..

* (حكايا خارج النص)
- كثيراً ما كنت أمازح و أحاور (الصينيون) من منطلق أن كل شيء رخيص و (رديء) هو من انتاج الصين, ضحك أحدهم قليلاً و قال (هل تعلم ما هي الصين؟)
سكت خجلاً و عرفت المغزى من سؤاله لأنه لو أراد إحراجي لمسك برأس قميصي و عرض عبارة (صنع في الصين!) من وراء قميصي ..

- في محاضرة (الإدارة) طرحت مقارنة بين (نيوزلندا و سنغافورة) و رجحت الكفة كثيراً لصالح نيوزلندا من حيث الموارد و لكن كفة (النجاح) رجحت لنسغافورة فسألنا الاستاذ لماذا؟ ابتسم و قال لديهم ( مؤشراً بسبابته على مكان المخ المجازي :) ) هو نفس المنطلق الذي يقول (الياباني- عبقري في كل الاحوال) مع العلم أن استاذنا (نيوزلندي) !

تلك كانت مقدمة (فقط)
سأكمل (رؤيتي-2)

[ KISS- Keep It Simple & Stupid ]

هي مقـولة تـقال في علم الإدارة بشكل خاص و في بقيـة أمـور الحيـاة بشكل عـام //
عندما تود تقديم أو توصيل ( فكرة - سلعة - معلومة ) طبقهــا ..
لنفكـر قـليلاً [ من السهل أن تــُهول وتـُقنع ولكن من الصعب أن تبسـّط وتقنــع ]

( أجعل فكرتك بسيطة جداً لدرجة الغبـــــــاء )