و قـالوا ..


“ أبقيت ستة رجال صادقين علموني كل ما علمته و أسماءهم
ماذا, لماذا,  متى, كيف, أين و من “

روديارد كيبلينق (نوبل في الأدب 1907)

Rudyard Kipling 1902
Just So Stories

كنت ولا زلت أيقن دوماً في أن كل ما يكتب على الورق قد لا يناسب مخيلتي أو أفعالي حتى و إن أجمع ناس الأرض على سلامة المكتوب ..
إن العيش لأجل إحقاق المكتوب و تفنيد المخطوط أمر جالب للسعادة إن لم يكن أحد تعاريفها ..
فبعد ان منّ الله علي أن ابقاني حتى اللحظة و زودني بجسد و عقل ,يمكنني القول أنني في طريقي اللانهائي لمهمتيّ الاثبات و النفي, فإن لم تكن لي فحسب فهي لابنائي أو لمن ظن فيني العون لاكمال ما تبقى قبل الممات ..

قبل ألف سنة و قيل أكثر خطب طارق بن زياد في مكان يسمى مضيق ببضعة الاف من الجنود قائلاً:
( أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر . . . )

ثم قال :
( واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقِّ قليلاً، استمتعتم بالأرفَهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي ..)
قالها و قد أحرق مراكب العودة فإما النصر و إلا الممات ..

قد يبدو الأمر هيناً أو مقبولاً جداً لدينا نحن من نعيش القرن الجديد, لأننا نظن دائماً أن أبطال البارحة هم (أنس) بمواصفات خاصة تخولهم النصر في أحلك الظروف و تجلب لهم النصر بضربة أصبع!, بل لا عيب اطلاقاً في تخفيف وطأة التصديق لدينا بزعم أن الله دوماً ينصر عبده خصوصاً في الشدائد حتى وإن كان فأراً يقابل أسداً شجاع!
أنه النصير دوماً لجنده فلا شك و تشويش في ذلك, ولكنه عندما شاء جل قدره أن ينجي نوح أمره بفعل السبب فنجى ..
يقال و كيف له أن يعصي أمر الخالق, فأقول و ما حسبك فيني و في كل من أستتر تحت كلمة العصيان ؟
و حتى لا يطول حديثي و أتوه عن هدفي أمسك برأس قضيتي التي تعلمتها اخيراً بعد أن مارستها, أنه إن أردت المضي قدماً فاحرق سفن العودة !

إننا دوماً ما نتخذ سفن العودة طريقاً آمنا للنجاة من فشل متوقع وهو ليس بذلك بل خوفاً و إن اختلفت أشكاله و تعددت ألوانه ..
سنين سنين نسلك طريق العودة للمنزل ذاته, نزور الدول ذاتها, نحتفظ بالافكار ذاتها, لسبب أننا علمناها فأمناها ..
تتقدم سنين و تضيع فرص و تشيب رؤوس و تهن عظام و خوف المغامرة لا يزول, نحاول كثيراً في التغيير ثم نفشل !

قبل ألف سنة لم يكن قد تعلم طارق بن زياد على يد موجهي أطلق قواك الخفية أو خبراء الإدارة ,لكنه آمن بقضيه فاختار لها أن تكون و حتماً تكون دونما أي تأثير على المشيئة ..
كان يعلم طارق أن جنده لن يخذلوه ,فلماذا أحرقها ؟
طارق و جنده (بشر) و فينا نحن البشر مهما علت همتناً و امناً بقضيتنا إلا أن صوت الخوف لا يهدأ حتى تحرق المراكب..
حرق طارق المراكب و كأنه أوصل رسالة للنفوس مفادها (إما النصر و إما النصر) فماذا تشتهون ؟
فكان لذلك الحكيم ما أراد فحل النصر ..

إن ليس ثمة سبباً في تسويف و تأخير و سوء عمل إلا أن أوشك على فعل ٍ فاتخذ مركب للعودة فعاد ..
و لكي لا أكسبك بلاهة التصديق المباشر جرب نفسك في مهمة بسيطة جداً, فهب أنك دارس للغة أجنبية ثم وجدت موضوعاً شيقاً في الويكيبيديا, في حالتك هذه يجدر بك قراءة الموضوع باللغة التي تريد تعلمها و لكنك ستجد نفسك مباشرة قد ضغطت على خيار (اللغة العربية) حتى و إن حاولت لمجرد المحاولة القراءة باللغة المراده, و لكن كيف ستفعل لو لم يكن خيار العربية موجود ؟
إنها (مراكب العودة فحسب!)

أحرقوا مراكب العودة فلا مراد يأتي بوجودها ..

[ قد أجدني كثيراً ما تحبط همتي سريعاً أو أشعر بشيء من الخجل تجاه ما أفكر في فعله, بل ربما أجدني أصرف النظر كلياً عما أود القيام به لمجرد أن زميل قد عارض الفكرة أو حتى سخر منها لمجرد المزاج!
لذا أعمد كثيراً على تأجيل أمنياتي أو حتى أنفيها من الوجود و ربما أتم نصفها و نصفها المتمم لا أجدني راغب في إنجازه..
أو ربما أرميها لقائمة الأحلام التي أتمنى في يوم أن أحققها أو أنتظر ذاك الذي سيحققها لي, لتزيد بذلك قائمة أحلامي و الحلم في عرف (العادة) أقصد (العاجز) هو ما لا أمل في إنجازه أو ضعف رهيب في نسبة تحققه..
و قد أرسم أفضل من ذلك بكثير لأشطب ذلك الفعل عن طريق معرف الاستحالة لأريح بها نفسي ..]

هكذا دائماً ما نبلور المستقبل, من مبدأ (حلم-أمل-سوف أفعل - فيما لو حدث- تخيل ..) وجلها يجير لصالح المستقبل المثالي!
ترانا كثيراً ما نبدأ الفعل لمجرد أننا نملك الصحة و الوقت لفعله ولكن ما أن يتم ذلك إلا و يبدأ معها فكرة (متى سأرى النتائج), لذا فإن أغلب أحلامنا أو أمانينا هي تلك التي تحتاج أزمنه ليست بالقصيرة لتحقيقها, كأن يحلم السمين بالرشاقة أو الفقير بالغنى و الموظف الصغير لمنصب ذا جاه و مال, و المضحك حقاً أننا لا نتقدم أدنى من شبر في صالح تحقيق ذلك المسمى (حلماً)

فالموظف الصغير يتحجج بأنه قد لا يحمل المؤهل العلمي الكاف لتحقيق هدفه و المسكين أيضاً يملك زوجة و أطفال و بالتأكيد أنه لا يملك الوقت الكاف, و فوق ذلك لا يتورع إطلاقاً عن رسم لحظاته وهو في (منصب الجاه و المال) وهو بذلك قد زادت أحلامه و زاد معها شقاءه ..
بل و أدهى من ذلك تجدنا نهرع لتناقل قصص نجاح (الأفذاذ) الذين بدأوا من الصفر في سبيل تحقيق أمنياتهم, و ما أكثر الكتب و رسائل البريد الالكتروني التي تذكر بقصص ( أديسون و هيلن كلير و الوزير السعودي النعيمي) لأجل سد ثغرة (العاطفة) فينا !
ثم تجدنا (كالمساكين) نتناقل قصص البطولة و التغنى بوصفات النجاح العظيمة, والتي كثيراً ما يلعب على وترها (مسوقي العاطفة)!

ألم تسل نفسك يوماً لماذا معظم تلك الأفلام التي تحكي عن بطولات لأبطال من التاريخ, أو قصص لضعفاء أصبحوا أقوياء أو انتصار مظلومين على ظالمهم هي تلك الأفلام الأنجح على الإطلاق !؟
أليس في ذلك سراً ؟
السر البسيط في ذلك أنهم قد (رسموا أحلامنا و أمانينا على الحقيقة!) وبذلك أكون أنا (حسن) و من شاهد الفيلم أن يظن أنه البطل المنتصر في نهاية الفيلم فهو بذلك حقق حلمك و حلمي و حلم الفرد المسكين!

ربما لو عاد الزمن بنا و سئلنا (اديسون) كيف تشعر الان بعد أن أبصرت المعجزة (بيدك) ؟ بعد أن صور لنا (فيلم ما) حياة ذلك البطل و مثابرته..
ربما سيقول ( هاه! لقد كانت لمجرد التسلية أو لمجرد تحد أو حتى عناد مع نفسي أو حتى رد على المدرسة التى فصلتني!)
أتراه سيقول أنه حلمي أن أصنع (الكهرباء)!و ما هي الكهرباء في الأصل في ذلك الزمن لنجزم أنه كان يصبو إليها ؟

المضحك حقاً في الأمر أن أكثر ما ينغص عليناً حاضرنا هو تفكيرنا اللا منقطع عن مستقبلنا, فلا حققنا حاضراً (ممتع) ولا فعلنا شيئاَ لمستقبل (مشرق)!
كالبخيل الذي يكنز ماله, فلا هو الذي تمتع به و لا هو الذي زين به مستقبله…

أعود و أقول عن كل ما رميناه على ذلك المستقبل المسكين أو حتى حذفناه من قائمة الوجود لمجرد أننا عاجزين عن فعله أو أن الزمن ليس بزمننا أو أن الناس غدت أشراراً فإننا بذلك (نلاعب أنفسنا!)
قالوا قديماً (تقدم خطوة للأمام في جانب كفيل بأن يقدمك خطوة للأمام في جانب آخر)
فالخطوة التي لا تكاد نتائجها تظهر هي بالفعل تلك الخطوة الأكثر صعوبة في تحقيقها , فما البناء إلا أحجار مرصوصة!

اخيراً
لا أحلام لدي ما دمت أعمل لغاية , فالغاية لم تكن حلماً في يوم!
(أمريكا يحكمها أسود! لم يكن حلماً وتحقق بل عمل قد نجح!)

Next Page »