September 2009


لم أفهم بعد ما السر الذي يجبر شخصاً يكره القهوة المعدة بلا عناية على الاصرار على زيارة ذات المصنع الممقوت لابتياع شيئاً من القهوة التي طالما كره ؟
إنه المكان الذي كلما رأيته أحسست و كأنني في مأمن و إن عدمته فأنكما لا حياة شريفة في تلك البقعة من الأرض, نعم أنه (ستاربكس) ..

بالرغم من كل ما يصاحب هذا العلامة من احتدام للآراء و هرج فمرج إلا إنها العلامة التي أضحت قطعة النار التي تركب العلم..
قد لا يستشعر أحداً ممن يسكن البقاع التي يكون فيها ألف ألف محل لبيع القهوة و ستون أخرى لخدمة السيارات و أحياناً آلآت لتحضير القهوة بداخل متجر صغير على طريق سريع, قدر تلك العلامة التي إن فقدت حل سؤال استنكار (معقولة ما فيه ستاربكس ؟)

لماذا ستاربكس ؟
لكل المدن التي قمت بزيارتها والتي لم أقم بزيارتها أجزم أن ليس ثمة مكان هاماً في قلب مدينة أو مركز مشهور أو بقعة معلومة فيها لا يحل فيها فرع أو فرعين لستاربكس, فقد رسُمت صورة في مخيلتي أن المكان الذي لا يحوي ستار بكس ليس جديراً بالاهتمام لكونه قد أهـُمل من مالكي (العلامة الخضراء), فاصبح الامر بذلك معكوساً لا أهمية يكسبها المكان لستاربكس بل إنها الاهمية التي يكسبها ستاربكس للمكان !
فيكون ستاربكس في دستوري هو المكان الأسوء لتحضير القهوة مذاقاً و لكنه المكان المثالي دوماً في تقديم دقائق أو ساعات (مجنونة!) ..

أنني لا أذكر يوماً قد زرت فيه فرع لستار بكس في مدينة (الرياض) لأن البديل موجود فالمحلات المشابهه في مدينتي تلك تملأ الوجود, و لكنني على النقيض تماماً لا يمكن أن أفكر في زيارة أي محلل لبيع القهوة في الخارج غير (ستاربكس) والسر ليس في المذاق و إنما مجهول حتى اللحظة ؟

يقول روبن شارما أحد مستشاري شركة مايكرسوفت :

كنت في أحد مقاهي ستاربكس. كانت هناك فرقة موسيقية تعزف في الخلفية, و رائحة القهوة تملأ المكان, و العملاء بعضهم يقرأ و بعضهم يجلس في استرخاء و بعضهم يتكلم. الجو العام في هذا المكان مريح جداً. و وجودي هنا يشعرني بالسعادة. كما أنني أشعر أنني في بيتي , ولو أنك كنت صاحب مشروع , فمن أهم الأشياء التي أقترحها عليك أن تضع في اعتبارك فكرة أن الناس لا يشترون بعقولهم بقدر ما يشترون بقلوبهم.
بالطبع يمكنني شراء فنجان من القهوة بسعر أقل من سعره في ستاربكس, و بالطبع هناك مقهى آخر أقرب لمكان عملي, ولكنني أحب المشاعر التي تراودني عندما أذهب إلى أحد مقاهي ستاربكس. مشاعر الاسترخاء, السعادة , الرضا.

حقائق عن ستاربكس :
* معدل نمو سنوي بمقدار 25% منذ 1993
* يوجد حالياً 11,000 فرع ستاربكس حول العالم, و الخطة إن يصل عدد الفروع إلى 30,000 فرع
* 5 فروع جديدة تفتح كل يوم
* هناك 40 مليون عميل كل أسبوع
* تأمين صحي لكل موظفي ستاربكس تشمل موظفي (part time)
* مبيعات سنوية بحجم 6.3 مليار دولار
* أقل من ثلث حجم شركتي بيبسي و كوكاكولا مجتمعة
* مبيعات أعلى من مكادونالدز في كل متر مربع !
* ستاربكس تطمح أن تكون المكان الثالث بعد المنزل والعمل , و الخطة أن يكون ستاربكس نقطة التقاء قروب الموظفين أو قروب الطلاب للتوجه إلى العمل انطلاقاً من نقطة ستاربكس ..
* 77% من فروع ستاربكس تمتلك مشروع اعادة تصنيع ..
* عدد موظفي ستار بكس أكبر بعشر مرات من عدد سكان الفتيكان :) !
* في أي فرع لستار بكس يمكنك اختيار كوبك المفضل بالسعرات الحرارية المطلوبة بلا زيادة !

و الحقيقة أن هاورد شولتز المالك لسلسة مقاهي ستار بكس الامريكي (اليهودي) والذين كان يعمل في قسم التسويق في الشركة عام 1982 ,بعث برسالة تعقيب على الرسالة التي تم تداولها في النت في وقت سابق و التي يزعم كاتبها أنها لهارود نفسه ,ثم أوضح موقع ستار بكس بنفسه دعوى دعم ستاربكس لليهود   :

هل فعلاً ستاربكس تقدم الدعم المالي لاسرائيل ؟
لا, هذا غير صحيح اطلاقاً, الاشاعة التي يتم تدوالها عبر الانترنت خاطئة.

وفقاً للشائعات, هل شعار ستار بكس يمثل الملكة اليهودية (إستر) ؟
هذا غير صحيح اطلاقاً, شعار ستاربكس لا يمثل الملكة (إستر) على الاطلاق وانما أوحي بذلك عبر كتاب للاطفال يتحدث عن الملكة ايستر غطأه يشبه شعار ستاربكس ..

عندما كنا نبحث عن شعار في عام 1971 أردنا محاكاة لصور تجار القهوة البحارة الأوائل, و اسم ستاربكس بذاته جاء من اسم مساعد القبطان في الرواية الكلاسيكية (Moby Dick). و بعد بحث في كتب البحارة القدماء جئنا بشعار مستند على نقش خشبي نرويجي يعود للقرن السادس عشر لحورية بحر ,مطوقة باسم ستاربكس و يمكنك زيارة صفحة التسلسل الزمني لشركة ستاربكس ..

http://www.starbucks.com/aboutus/pressdesc.asp?id=976

أنا هنا لست محامياً على الإطلاق لسلسلة مقاهي ستاربكس فصدقوني لا أملك ولا حتى سهم واحد من أسهم الشركة :) بل لا يعنيني إطلاقاً إن أقدم الناس على الشراء أو فضلوا المقاطعة هذا إن كان هناك مقاطعة , كل ما وددت فعله هو نقل المكتوب لا أكثر ..

(منظومة) ستار بكس حيث للمكان قصة و قصة ..
سأستعير (Slogan) ماكدونالدز هذه المرة لأجيره لستاربكس ( I’m lovin’ it )

كنت ولا زلت أيقن دوماً في أن كل ما يكتب على الورق قد لا يناسب مخيلتي أو أفعالي حتى و إن أجمع ناس الأرض على سلامة المكتوب ..
إن العيش لأجل إحقاق المكتوب و تفنيد المخطوط أمر جالب للسعادة إن لم يكن أحد تعاريفها ..
فبعد ان منّ الله علي أن ابقاني حتى اللحظة و زودني بجسد و عقل ,يمكنني القول أنني في طريقي اللانهائي لمهمتيّ الاثبات و النفي, فإن لم تكن لي فحسب فهي لابنائي أو لمن ظن فيني العون لاكمال ما تبقى قبل الممات ..

قبل ألف سنة و قيل أكثر خطب طارق بن زياد في مكان يسمى مضيق ببضعة الاف من الجنود قائلاً:
( أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر . . . )

ثم قال :
( واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشقِّ قليلاً، استمتعتم بالأرفَهِ الألذِّ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي ..)
قالها و قد أحرق مراكب العودة فإما النصر و إلا الممات ..

قد يبدو الأمر هيناً أو مقبولاً جداً لدينا نحن من نعيش القرن الجديد, لأننا نظن دائماً أن أبطال البارحة هم (أنس) بمواصفات خاصة تخولهم النصر في أحلك الظروف و تجلب لهم النصر بضربة أصبع!, بل لا عيب اطلاقاً في تخفيف وطأة التصديق لدينا بزعم أن الله دوماً ينصر عبده خصوصاً في الشدائد حتى وإن كان فأراً يقابل أسداً شجاع!
أنه النصير دوماً لجنده فلا شك و تشويش في ذلك, ولكنه عندما شاء جل قدره أن ينجي نوح أمره بفعل السبب فنجى ..
يقال و كيف له أن يعصي أمر الخالق, فأقول و ما حسبك فيني و في كل من أستتر تحت كلمة العصيان ؟
و حتى لا يطول حديثي و أتوه عن هدفي أمسك برأس قضيتي التي تعلمتها اخيراً بعد أن مارستها, أنه إن أردت المضي قدماً فاحرق سفن العودة !

إننا دوماً ما نتخذ سفن العودة طريقاً آمنا للنجاة من فشل متوقع وهو ليس بذلك بل خوفاً و إن اختلفت أشكاله و تعددت ألوانه ..
سنين سنين نسلك طريق العودة للمنزل ذاته, نزور الدول ذاتها, نحتفظ بالافكار ذاتها, لسبب أننا علمناها فأمناها ..
تتقدم سنين و تضيع فرص و تشيب رؤوس و تهن عظام و خوف المغامرة لا يزول, نحاول كثيراً في التغيير ثم نفشل !

قبل ألف سنة لم يكن قد تعلم طارق بن زياد على يد موجهي أطلق قواك الخفية أو خبراء الإدارة ,لكنه آمن بقضيه فاختار لها أن تكون و حتماً تكون دونما أي تأثير على المشيئة ..
كان يعلم طارق أن جنده لن يخذلوه ,فلماذا أحرقها ؟
طارق و جنده (بشر) و فينا نحن البشر مهما علت همتناً و امناً بقضيتنا إلا أن صوت الخوف لا يهدأ حتى تحرق المراكب..
حرق طارق المراكب و كأنه أوصل رسالة للنفوس مفادها (إما النصر و إما النصر) فماذا تشتهون ؟
فكان لذلك الحكيم ما أراد فحل النصر ..

إن ليس ثمة سبباً في تسويف و تأخير و سوء عمل إلا أن أوشك على فعل ٍ فاتخذ مركب للعودة فعاد ..
و لكي لا أكسبك بلاهة التصديق المباشر جرب نفسك في مهمة بسيطة جداً, فهب أنك دارس للغة أجنبية ثم وجدت موضوعاً شيقاً في الويكيبيديا, في حالتك هذه يجدر بك قراءة الموضوع باللغة التي تريد تعلمها و لكنك ستجد نفسك مباشرة قد ضغطت على خيار (اللغة العربية) حتى و إن حاولت لمجرد المحاولة القراءة باللغة المراده, و لكن كيف ستفعل لو لم يكن خيار العربية موجود ؟
إنها (مراكب العودة فحسب!)

أحرقوا مراكب العودة فلا مراد يأتي بوجودها ..

أيقن أن ثمة شعور او أكثر يكون فيها الوصف قد أوصد بابه و أغلق نوافذه فتكون طريحاً أمام عتبة بابه, ثم لا أمل!
إن الوصف احياناً يكون بعيداً جداً و لا يصل حد الموصوف فيكون بذلك (ثرثرة) ليس إلا ..
هو ليس عيب في الكلمات و لا حجة بندرتها و لكن لإن الوصف يكاد يعدم لوصف ما ليس بمخلوق أو مصنوع ..
أكتب الساعة لا طمعاً في وصف أو رمياً لشكوى بل كلمات فجمل رجوتها أن تكون مخففة ..

أذكر تماماً المقال الذي عنون بـ (مبتعثون مفلسون!) كتبه تركي الدخيل الذي تطرق فيه لقضية بعض طلاب امريكا في بعض الولايات رافعين بذلك شعار (لسنا سواء)..
أي أن سكان ولايات معينة قد لا تكفيهم المكافأة و اخرون تكون لديهم مجزية بل و قابلة للتوفير ..
قد يكون من الظلم مثلاً ان يصرف لفئة و تترك فئة اخرى بحجة اختلاف المناطق ,إلا انه قد يكون حل (ساذج بسيط) للمشكلة ,إذ إننا دائماً ما نتبع نفس الاسلوب في حل قضايانا ..
و ما ليس بخاف عليكم أننا نعاني المشكلة بل و أشد !

في مدن شمال انكلترا مثلاً ,و التي عجبت حقاً من تسميتها بالعظمى فهي ليست إلا (مرمى كبير للنفايات!) , تكون إجارات السكن معقولة إلى حد كبير بل و يمكن لذات الشخص الاقتطاع لأجل التوفير ..
و يكون حق شقة للتأجير في مدينة كديربي مثلاً لا يتجاوز الـ 400 باوند و احيانا تكون شاملة فواتير الكهرباء و الغاز و الماء ..
و كلما اتجهت شمالاً قلت تكاليف العيش ..

أما في لندن و التي بالمناسبة أشدد و أدلل على تسميتها كأقذر و أغلى و الأكثر سوءاً بين مثيلاتها في أوروبا بناء على استطلاع للسيـاح, تكون اجارات السكن غالية و احياناً معقولة!
بمعنى في بعض ضواحي لندن الامر يكاد يكون معقولاً في بعض الحيزات و هذا نادر الحدوث..

أما في مدينة (حقيرةَ!) كالتي أسكن فيها يكون معدل السكن و العيش مرتفع جداً حتى أنك قد تضطر احياًنا للاقتراض دون أملاً في إرجاع القرض للمقرض!
أن يكون سكنك و عيشك في (مدينة أشباح) و الغلاء يقصفها بشدة و القذارة تملأ جنباتها و الطقس شديد البرودة فإنك بذلك تكون قد اخترت المكان الخطأ لعيش حياة شبه كريمة!

أذكر أنني اضطررت للسكن في سكن الجمعية الخيرية المسيحية الهادفة لتأهيل الشبان المشردين التابع للكنيسة في المدينة و ليتني وجدت !
يومها كدت المبيت في الشارع و أقسم بأشد الايمان انه لولا رحمة الله ثم عطف سيدة آوتني في غرفة طفلها الغائب لكنت (Homeless)
قد لا تصدق ذلك بل الأكيد أنك لن تصدق و ذلك لأن خيار الفنادق و اللودج مطروح للأخذ به, و هو ما قمت به بالفعل حيث قمت بالاتصال بجميع اسكان البلدة بالكامل و لم أجد شاغر لذلك اليوم حتى أنني و بلا أدنى تهويل عدت سائلاً ,هل سيكون الشارع مصيري ؟
قد يكون المشهد عصي التصديق فمن ذا الذي يسكن في شارع و لديه شيء من المال, و أقول نعم و لكن هب أنك في ساعة متأخرة و المواصلات شبه متوقفة و طريق العودة إلى لندن يوشك الاغلاق (القطار*) فكيف تفكر ؟
بل و حتى  قبل وصولي (بلدة الاشباح) طلبت مما يسمى نادياً سعودياً في (بريطانيا القذرة) مساعدته و كان رده هاك أرقام (Bed&Breakfast) :) و يااه كم أتعبتهم حينها بهذه الرسالة ليقوموا بالبحث والعناء الشديد لاستخراج الارقام ..

الغريب فعلاً أن في (بريطانيا القذرة) لا يوجد ما يدعى (Motel) و هو الخيار الامثل دوما للسكن المؤقت, و يومها سألت سائق التاكسي أن يوصلني لأقرب موتيل ليرمقني بنظرة استغرب, فأجاب إن كنت أقصد (هوتيل) فأعدت النطق عليه : لا ,أريد موتيل و ليس هوتيل, فابتسم ثم قال لا يوجد ما تسل عنه يا بني !

ففي مدينة الاشباح يكون اجار شقة بغرفة واحدة (ستوديو) ليست شاملة اسعار الكهرباء و الغاز و الماء
ما بين 700 إلى 1000 باوند شهرياً و الغالب انها غير مؤثثة !
ثم أن وجبه مشبعة من (ماك توفير) بـ 3 باوند أو أكثر
و كوب شوكلاته ساخنة (ستار بكس) بـ 2 باوند ..

قلت إنني أكتب لأجل الكتابة لا طمعاً في طلب أو شكوى فكل ما كتب كان في حيز التقدير و التوقع حتى قبل وصولي ..
إنها (انكلترا) حيث لضيق العيش و الملل عنوان!

* الصورة للشارع الرئيبس في البلدة!